اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
205
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
فليس غريبا أن يكتسب كتاب ابن حوقل في المغرب صيتا أوسع مما اكتسبه في المشرق ، خاصة في الأندلس . ويبدو أنه لم تنقل إلى الفارسية سوى مسودة الإصطخرى وحده 35 ، ولكن في مقابل هذا فقد عرف منذ منتصف القرن الثاني عشر مختصر ابن حوقل المعمول في الأندلس والذي يوجد في مخطوطة بباريس ويحوى إضافات كثيرة ترجع إلى عهد الشخص الذي اختصره وذلك في الفترة بين عامي 534 ه - 1139 و 580 ه - 1184 36 . وقد أضيفت إلى الأطلس المرفق بهذا المختصر خارطة للنيل مأخوذة من خارطة كتاب الخوارزمي 37 مع زيادة مناسبة في المتن . وفي القرن الثالث عشر هاجم المؤرخ والجغرافي الأندلسي المشهور ابن سعيد ( توفى عام 685 ه - 1268 أو 673 ه - 1274 ) آراء ابن حوقل في أخلاق عرب الأندلس مهاجمة عنيفة 38 ، ولعل هذا ما حفزه إلى أن يكمل كتاب ابن حوقل فيما يتعلق بالأبواب الثلاثة التي أفردها للأندلس وصقلية وأسبانيا الغربية 39 . ويقدم ابن حوقل مثالا حيا لمحاولة المدرسة الكلاسيكية في الجغرافيا أن تقصر موضوعها على « دار الإسلام » ، وهو يبين ذلك في قوله : « ومملكة الإسلام في حيننا هذا ووقتنا فإن طولها من حد فرغانة حتى يقطع خراسان والجبال والعراق وديار - - العرب إلى سواحل اليمن فهو نحو خمسة أشهر 40 وعرضها من بلد الروم حتى يقطع الشام والجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة على شط بحر فارس نحو أربعة أشهر وإنما تركت في ذكر طول الإسلام حد المغرب إلى الأندلس لأنه كالكم في الثوب وليس في شرقي المغرب ولا في غربيه إسلام لأنك إذا جاوزت مصر في أرض المغرب كان جنوبي المغرب بلاد السودان وشماله بحر الروم ثم أرض الروم ، ولو صلح أن يجعل طول الإسلام من فرغانة إلى أرض المغرب والأندلس لكان مسيرة ثلاثمائة مرحلة » 41 . إن محاولة قصر المادة على « بلاد الإسلام » 42 مع إهمال الأقطار الواقعة خارجها تعتبر من أبرز مميزات المدرسة الكلاسيكية للجغرافيا العربية ؛ وبالطبع فقد حاول الكتاب المعروفون لنا جيدا من أمثال ابن خرداذبه واليعقوبي وابن الفقيه وابن رسته ثم المسعودي إعطاء وصف منتظم لتخطيط العالم الإسلامي ونظامه الإدارى مع الاهتمام خاصة بوصف طرق المواصلات إلا أنه لم يكن من منهجهم الاقتصار على البلاد الإسلامية وحدها بل تكلموا عن البلدان غير الإسلامية كذلك ابنداء من الشرق الأقصى إلى الإمبراطورية البيزنطية ؛ كما وأنهم أولوا نفس القدر من الاهتمام لقصص العجائب بجميع أنواعها 43 . أما المدرسة الكلاسيكية وإن كانت أكثر تشددا في أسلوبها وأكثر تمسكا بالمنهج العلمي إلا أنها في مقابل ذلك كانت أميل إلى تضييق أفقها الجغرافي بعض الشئ . والطابع الثاني الأكثر تمييزا لهذه المدرسة هو الدور الذي لعبته فيها الخارطات . وقد سبق أن نوهنا في حينه وذلك بصدد الكلام على أول رسالة في هذه السلسلة وهي مصنف أبى زيد البلخي أنه يمكن